حسن حسن زاده آملى
35
الحجج البالغة على تجرد النفس الناطقة
على القيام الحلولي ، والثاني على القيام الصدوري . ثمّ انّ صاحب المباحث بعد نقل الدليل المذكور أتى ببعض الاعتراضات عليه على مذهب الجمهور ، وصاحب الأسفار بعد الإتيان بها أتى بدقائق أخرى على مبنى الحكمة المتعالية ، وقد أومأ بتزييف ما عليه الجمهور على ما نحكى عبارته الشريفة وهي ما يلي : لا يقال : التضاد بين السواد والبياض لذاتيهما فأين حصلا فلا بدّ وأن يتضادّا . فنقول : انّه من المحتمل أن يكون تضادّهما في المحالّ التي تنفعل عن كل منهما وتتأثر فإنّ الجسم إذا حلّ فيه السواد يتغيّر وتترتّب عليه آثار مخصوصة كقبض الإبصار ونحوه ، وإذا حلّ فيه البياض يتغيّر وتترتب عليه آثار تخالف تلك الآثار ؛ وأما المحل الإدراكى فلا ينفعل عنهما مثل هذه الانفعالات والاستحالات وكل منهما يطرأ ويزول ويجتمع معا ويفترق معا وهو كما كان . هذا إن كان الخيال محلا لهما وأما على ما حققناه من أنّ حصول تلك الصور له هو بعينه حصولها عنه لأنّ نسبته إليهما بالفاعلية لا بالقبول الانفعالي ، ولو كان هناك قابليّة هي عين الفاعلية كما في علوم المفارقات ، وبالجملة شرط التضاد بينهما هو الموضوع الانفعالي المادّي لا غير فلا استحالة في اجتماعهما لمحلّ غير مادّي أو لجوهر فاعلي . وليس لقائل أن يقول : إنّا إذا تصوّرنا السواد والبياض والحرارة والبرودة فلا تنطبع هي أنفسها بل تنطبع صور هذه الأمور ومثلها فقط فلهذا لا يلزم أن تكون حارّة باردة عند انطباع هذه الأمور . لأنّا نقول هذه الأمور التي سمّيتموها بأنّها صور السواد والبياض وغيرهما هل لها حقيقة السواد والبياض أم لا ؟ فإن كانت لها حقيقتهما وقد انطبع في النفس صور تلك الأمور التي هي بالحقيقة سواد وبياض وحرارة وبرودة واستدارة واستقامة فيجب عند ذلك أن تصير النفس حارة وباردة ، سوداء وبيضاء ، مستقيمة ومستديرة فتكون جسما ؛ وإن لم تكن لتلك الصور التي تصوّرناها حقيقة السواد والبياض والحرارة